رئيس التحرير

أ.د. يعقوب السيد يوسف الرفاعي

الهدوء الإقليمي… والتنمية المستدامة في الكويت

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر المنصرمة موجة من التوترات السياسية والعسكرية، كان أبرزها التصعيد الخطير في وتيرة الصراع الإيراني–الإسرائيلي، الذي بلغ ذروته بتدخل مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية في مراحله الأخير. ومثل هذه التحولات المتسارعة لا تمر دون أن تترك انعكاساتها على المشهدين الاقتصادي والاستثماري، إذ لاحظنا تراجعاًً في مستوى الطمأنينة لدى بعض المستثمرين وخاصة المحليين، مقابل تمسك بعض المستثمرين الأجانب بثقتهم في أسواق دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت، واستمرارهم في ضخ رؤوس الأموال، مدفوعين بقناعة راسخة بإمكان تجاوز الأزمات بفضل متانة البنية الاقتصادية واستقرار المؤسسات المالية.

هذا التباين في التفاعل مع المستجدات الإقليمية يكشف عن معادلة دقيقة فبينما حبا الله هذه المنطقة بثروات طبيعية وفيرة وموقع جيوسياسي فريد، فإنها تواجه في المقابل تحديات جيوسياسية مزمنة تستنزف جانباًً من إمكاناتها التنموية. ومع ذلك، فإن فترات الهدوء النسبي، كما نشهده اليوم بعد وقف إطلاق النار، ينبغي أن تُُعدّّ نافذة استراتيجية للتخطيط الواعي وإعادة تموضع الأولويات الوطنية على قاعدة الاستفادة من الاستقرار لتعزيز الإصلاحات وتحفيز النمو.

لقد شرعت الكويت بالفعل في اعتماد حزمة من الإصلاحات التشريعية والاقتصادية بغية مواءمة بنيتها المؤسسية مع مستجدات الاقتصاد العالمي، وهو توجه محمود وضروري. إلا أن تلك الإصلاحات تظل في حاجة ماسّّة إلى تكاملها مع حراك تنموي فعلي يتجاوز الإطار النظري، ويترجم إلى مشاريع إنتاجية وخدمية تمس حياة المواطن وتخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، لا سيما في ظل التحدي المتنامي المرتبط بتوظيف الشباب وتلبية تطلعاتهم في سوق العمل.

تاريخياًً ، اعتمدت الكويت على ثروتها النفطية كمحرك رئيسي للاقتصاد، لكن التغيرات العالمية، وخاصة ثورة الذكاء الاصطناعي، تفرض إعادة تقييم للنموذج الاقتصادي. ولم يعد تكديس الخريجين في وظائف حكومية روتينية خيارا مستداماًً ، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تحولات تقنية متسارعة تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والتحول الرقمي. هذه التغيرات تفرض على الكويت، إعادة النظر جذرياًً في نماذجها التنموية، عبر تمكين الكفاءات الوطنية، وإعادة تشكيل المنظومة التعليمية لتكون أكثر انسجامًًا مع متطلبات العصر، وأشد التصاقاًً بسوق العمل الحقيقي.

إن جوهر التنمية المستدامة لا يستقيم دون إصلاح عميق وشامل لمنظومة التعليم، بدءاًً من تحديث المناهج بما يتماشى مع مهارات القرن الحادي والعشرين، ومروراًً بإعداد الكوادر التربوية وتأهيلها، وصولا إلى تطوير البنية التحتية التعليمية. كما يُُعد التعليم العالي محوراًً مركزياًً في هذا التحول، من خلال التركيز على التخصصات الحيوية مثل علوم الحاسوب، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، فض الًا عن تعزيز ثقافة ريادة الأعمال والابتكار.

وفي سياق موازٍٍ، فإن تنويع مصادر الدخل الوطني بات مطلبًًا وجودياًً لا خياراًً استراتيجياًً فحسب. فالكويت تملك من المقومات ما يؤهلها لتكون مركزاًً إقليمياًً لوجستياًً وتجارياًً، وقبلة للسياحة الثقافية والعلاجية إذا ما أُُ حسن استثمار موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية. كما يُُعد تمكين قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة رافعة مهمة لتحريك الاقتصاد، وخلق فرص عمل مرنة ومستدامة للشباب الكويتي.

ولا يمكن إغفال أهمية الشراكات الذكية مع القطاع الخاص والخبرات الدولية في دعم هذا التوجه، سواء في مجالات

التكنولوجيا المتقدمة، الطاقة النظيفة، أو الاقتصاد الأخضر. فالمزج بين المعرفة العالمية والقدرات الوطنية هو السبيل الأمثل لبناء نموذج اقتصادي مرن، قادر على مواجهة المتغيرات وتجاوز الأزمات.

ويُُعد الشباب الكويتي الركيزة الأساسية لمستقبل البلاد. ولابد أن يكون إصلاح التعليم إلى جانب توفير برامج تدريب مهني تركز على المهارات العملية التي تتطلبها الصناعات الحديثة.

وختاما، فإن الهدوء الإقليمي الراهن لا يجب أن يُُنظر إليه كمجرد مرحلة مؤقتة، بل كفرصة لوضع أسس نهضة تنموية شاملة، تُُعيد الاعتبار للإنسان الكويتي كقيمة ومورد، وتُُكرّّس الاقتصاد الوطني كمسار مستدام قائم على التنويع، الابتكار، والاستثمار في المستقبل. فبالتكامل بين الرؤية الإصلاحية، والقيادة الاقتصادية الرشيدة، والوعي المجتمعي، يمكن للكويت أن تمضي بثبات نحو عقد اقتصادي جديد أكثر توازناًً واستقراراًً وازدهاراً_